في صفنا الصغير تبدأ حكاية كبيرة! بين اللعب و الضحك و الأسئلة الشيقة، وفي قصتنا ( أحلى حروفي) تبدأ ثلاث حكايات بين الصورة و صيرورة الحكاية و الأحجيات، و افتح يا سمسم أبوابك لنقرأ صفحات الكتاب، ففي صفنا الصغير تبدأ حكاية كبيرة!
الأسبوع الماضي قرأت قصة أحلى حروفي للكاتبة إسراء كلش و تشاركت قراءتها في البيت لابنة أختي الصغيرة ناي، ناي دخلت الروضة و بدأت تتهجأ بعض الحروف، إلى درجة لا يمكن معها تحوير أي كلمة في القصة، فرغم أنها لا تعرف القراءة بالتأكيد، لكنها بدأت تعرف شكل الحروف، و بعض أصواتها، وقد كان شكل الكلمات و حجمها، و عددها القليل في الصفحات مناسباً لشقاوة الأطفال.
تكتب إسراء الحكاية بوعيها كمعلمة و مربية أطفال،إذ تبدأ حكايتها ببطلة أولية للحكاية، بصورة معلمة مختلفة، طويلة جداً، ترتدي ألواناً لا تكترث كثيراً لتناسقها، و نظارة كبيرة تعطي كثيراً من وجهها، معلمة تشبه زيتونة زوجة باباي في ذاكرتنا في برنامج الرسوم المتحركة باباي .
الحكاية الأولى... حكاية الكلمة:
*وعي المعلمة... وواقع مختلف:
تحاول المعلمة البحث عن إمكانيات صناعة اللحظة الممتعة في الدرس، فتدخل وهي تحمل سلة فارغة، و تسأل الأطفال عن أحلى حروفهم المفضلة، هكذا يتحول الطفل من متلق للمعرفة، إلى خبير و مستكشف ، و صانع للمعرفة، يتحول في الصف، يلعب، يقفز، يرسم، يغني، يفكر، و قد بدا الصف جميلاً بعشوائية مدروسة، صخب تحتاج المعلمات إلى إشاعته في أرجاء الصف لتنعش روتين التعليم الكلاسيكي، ببعض المتعة و التجربة، ومثل هذه الطرق و الأساليب العلمية التربوية، تسمع للأطفال و الطلاب من مستويات أكاديمية مختلفة بالمشاركة داخل البيئة الصفية.
*الحروف و طفولتنا:
الليجو واحدة من الألعاب الترفيهية و التربوية المميزة، كثير من القطع، و المكعبات، كثير من الألوان، و ستكون طفلاً محظوظاً جداً إذا حصلت على لعبة ليحو بعدد قطع كبير، و حجم كبير لكل مكعب، و ستحالفك الأفلاك إذا كان هناك رسومات، و بعض الحروف مكتوباً على كل وجه من وجوه المكعب، فتبدأ بتعلم الكلمات و تركيبها.
و إسراء بخبرتها كمعلمة و مديرة لرياض أطفال، تعرف أن ألعاب التركيب و المكعبات تجذب الطفل، فتكون الحروف مركز الاستكشاف الأول للطفل، من خلال الحروف يستكشف الكلمات، و يعبر عما يحب، و ما يشعر، وما يفكر.
*الحروف و استكشاف الذاكرة:
ليست الحروف حدثاً لغوياً جامداً، بل يصبح كل حرف حكاية يوم، و استدعاء للحظة ما لا تغيب من الذاكرة، أحب حرف ف فاء فلافل و فول أطيب فطور، و حرف ال ليمون، وحرف س سروال، و حرف ط طاق طاق طاقية، و ي يرغول، و ن ... نابلس، و هنا لم يكن تذكر الكلمات كمن يلعب ( إنسان...حيوان.. جماد) و يتذكر الكلمات، فكان لكل كلمة حكاية، الفطور الفلسطيني بسرور و متعة و شهية، و ليمون مزروع في حديقتنا مع بعض الزيتون، و ورد الحنون، و سروال جدي التقليدي صورة من التراث الشعبي و أبوابه الكثيرة التي يدخلها الأطفال و يستكشفوها مع حرفهم المفضل التالي في لعبة طاق طاق طاقية، وهي من الألعاب الشعبية الجماعية الترفيهية القديمة، و يلعب الأطفال و يمسكون باليرغول ( الناي الفلسطيني الشعبي القديم) و يغنون، و يتجولون في ذاكرتهم في شوارع و مخيمات مدنهم، و قراهم، و مدينتهم نابلس.
الحكاية الثانية... الحكاية التفاعلية:
*موسيقى الحكاية:
اللحن الموسيقي و السجع الجميل في اللغة يساعد أيضاً في سرقة اهتمام الطفل، فهو يحب تكرار الكلمات السهلة و البسيطة.
و في الزاوية الأخرى تحضر إسراء شيئاً من طفولتها و ذكرياتها، في لا وعي سرد الحكايات و القصص الشعبية التقليدية القديمة، فهي تستخدم شخصية الخروف، و مرة الصوف، و تحاول الشخصية الاتصال بأخيها معروف، هذا السجع الموسيقي يعيد نهجاً تراثيا كلاسيكيا محبوبا لدى الأطفال: فالبيضة عند الجاجة والجاجة بدها قمحها، و القمحة عند الطحان... موسيقى الحكاية جزء مهم من صيرورة السرد القصصي، و تجعل القصة أقرب إلى الأطفال، و يصبح من السهل عليهم غناء القصة و حفظ أجزائها، و تحويلها من نص مكتوب إلى مشاهد درامية، و فنون أدائية مسرحية، بما يعيد لنا صورة المسرح المدرسي الذي نشأ عليه جيل كبير في فلسطين.
*نحلل و تركب:
التحليل و التركيب واحدة من المهارات التربوية في دروس اللغة العربية، اختار الأطفال حروفهم، و استعادوا كلمات دلالية هامة لكل حرف، ثم كانت لحظة حل هذه الكلمات المتقاطعة، و جمعها في بوتقة واحدة من خلال تجميع هذه الحروف في كلمة واحدة،فكانت (فلسطين)كلمتنا الغالية التي لا زالت ولا زلنا نرسمها في تفاصيل يومنا، و نقرأها في مواسم الحصاد و قطاف الزيتون، رتب الأطفال الحروف و تهجأ كل منهم الكلمات، فكانت فلسطين.
*الحكاية التفاعلية:
في طي الحكاية حكاية تفاعلية أخرى، أظنها نشأت خلال النقاشات الكثيرة بين الرسامة و الكاتبة لتطوير المشهد القصصي، إذ تنتقل الحكاية من شخصية الطفلة في الصف، الطفلة التي تفكر، و تتساءل، و تجد حروفها المفضلة و تكون الكلمة فلسطين، إلى شخصية الطفل القارئ (يوسف)، فيوسف يقرأ القصة حتى يشعر أنها قصته، و يعرف الأطفال باسمه و يسألهم عن أسمائهم و يترك لهم مكاناً للكتابة و المشاركة، ثم يصحبهم في رحلة يصلون فيها الحروف معا حتى تتشكل خارطة فلسطين، ثم يسألهم أين تسكنون، و يطلب منهم وضع علامة تشير إلى مكان سكنهم، و مدنهم، و ينتقل معهم إلى تمرين يحاولون فيه إعادة ترتيب الحروف ، لتتشكل أسماء عدد من المدن الفلسطينية: غزة، بيسان،صفد،حيفا، رفح،القدس، طولكرم، جنين، بيت لحم، بئر السبع.
الحكاية الثالثة ...حكاية الصورة :
تعتني الرسامة هيام صفوت من خلال الرسومات التي تعكس من خلالها الصورة بمشهدية الحدث القصصي الحكائي، و حيوية الصورة، حيث تستخدم ألواناً حيوية، ألواناً من الطفولة فترسم بالأزرق و الوردي و البرتقالي و الاصفر، البنفسجي، و ألواناً من روح الأرض و التراب، و مواسم الحصاد، فنجد اللون الأخضر و الاصفر، و البني، و الأزرق و الأصفر، و ألواناً من روح الهوية و الوطن فنرى الأحمر و الأبيض و الأسود و الأخضر.
الجميل في هذه الحكاية الثالثة التي تستند إلى الصورة، أنها ورغم ترجمتها للنص، و إعادة تشكيله كما لو أن الصورة مرآة للقصة، لكن الصور بحد ذاتها صور مستقلة، يمكنها أن تكون دليلاً حكائيا و يمكن للأطفال أن يتصفحوا القصة بأنفسهم، و يعيدون تشكيلها و سردها بطريقتهم الخاصة.



تعليقات
إرسال تعليق