تقدم الكاتبة ختام حماد روايتها الأولى (أسميتها مسك )، رواية من القطع المتوسط، تقلب عبر صفحاتها المئة و الخمسين كثيراً من الحكايات و تصغي لكثير من الأحاديث، إذ تروي القصة حكاية الفتاة الفلسطينية الغزاوية ( نهاية) من خلال رؤية كاتب مصري، يقرر أن يفتش فيها عن مادة روائية ناجحة لمشروعه الروائي القادم، حيث تلتقي الفتاة بالكاتب في صدفة إلكترونية للترتيب لإطلاق مسروع فني مسرحي في مصر، و تستمر الأحاديث في رسم خطوط روائية متشعبة، في مواقع عديدة.
رواية الحكي و الأحاديث:
هي رواية الحكي و الأحاديث، فكل ما في الرواية يحكي، كل ما في الرواية له صوت و ذاكرة و موقف، القلب يحكي و يناقش، العقل يحكي و يجادل، و تقرأ حواراته على مدار صفحات، تسمع حوارات ما كان، و ما سيكون، و نوع مختلف من أحاديث النوايا و خفايا النفس، تبدأ الرواية ببعض الرسائل الإلكترونية عبر ( الانستغرام) يتلقاها الكاتب المصري محمد الرندلي، تدعوه للمشاركة كضيف شرف في حفل إطلاق مشروع فني شبابي، فلسطيني مسرحي في القاهرة.
و الرواية لا تأخذ الشكل الكلاسيكي الذي يبدأ بأحداث تصل إلى ذروة أو حبكة إنسانية أو شعورية، و ربما كان لتعدد الحغرافيات دوراً في هذا.
التواصل الاجتماعي و أحاديث عن المشاعر:
تستخدم الكاتبة الاتصال الهاتفي من خلال رقم دولي فرنسي، و وسائل التواصل الاجتماعي "الانستغرام" كوسيلة للتواصل، و في لحظة ما يبدو شكل الرواية مشابهاً اليوميات أو المذكرات، حيث كتب تاريخ اليوم مرات عديدة، ثم جاء بعده سرداً لحوار يومي إلكتروني، لا تفاصيل كثيرة فيه، بل فيه هروب إلى المشاعر، هي لم تحدثه كثيراً عمن تكون، وهو وجد في الألقاب بوابة للشعور، فقال صغيرتي، حلوتي، و عرف اسمها نهاية فقال عنها مسك، لتكون عطر بداية روايته، و ختامها.
أما اللقب أو الدلال، فكثيراً ما استخدمه الكتاب، و أذكر هنا رواية الكاتب نافذ الرفاعي ( امرأة عائدة من الموت) وهي رواية التقى فيها كاتب بفتاة في شوارع القدس، و أسماها( ذات القبعة الحمراء)، و استخدام اسم مختلف كان محاولة في الروايتين لتسجيل و تأكيد بصمة مختلفة لهؤلاء الكتاب على الشخصية التي يسمونها اسمهم المختلف، أما التواصل الاجتماعي و الاتفاق على تبادل محدود و ربما معدوم التفاصيل الشخصية فهو تقنية ذكية حاولت الكاتبة خلالها تأكيد الحالة الشعورية حتى في ظل فراغ المعرفة الشخصية، فهو وهج و سراب الشعور، و بالحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي استعيد فيلم ( you have got a mail) ميغ راين و توم هانجز، وهو قدم فكرة التواصل الاجتماعي في تسعينيات القرن الماضي من خلال التواصل عبر الإيميل، إلا أن الشخصيات كانت متشابكة تعيش في نفس المدينة، و متشاركة في الإهتمام و العمل في متاجر للكتب، و بالإضافة إلى جذور تواصل عائلي سابق، وهذا جعل التواصل المباشر منطقي.
ختام و تساؤلات الحب و البحث في العلاقات:
تظل كتابات الكاتبة ختام محمومة بثقل العلاقات الإنسانية، و كأنها تحاول إعادة تفكيك تلك الروابط و الأفكار و استكشاف ماهية تراتب اللحظات الشعورية الفارقة، ففي رواية ليالي الغياب كان مفهوم العائلة و الفقدان محركاً أساسياً في وصول بطلة الرواية إلى الحب، وهذا التساؤل حول الحب و البحث عن الذات و الهوية كان حاضراً في رواية أسميتها مسك، بنهاية التي ظهرت كشخصية نامية تواجه فقد العائلة، و تخرج من الحرب في غزة، و تهاجر، ثم تبدأ من جديد من خلال نشاط فني شبابي فلسطيني، يؤكد هويتها في الغياب.
في الفضاء الروائي بنت الكاتبة شخصياتها ضمن فضاء روائي محدود زمنياً و مكانياً، أما الزمان فكان بضع شهور و حسب، وهو زمن محدود نسبياً لا يحتمل كثيراً من التغيرات و الانقلابات الذاتية، أما الفضاء المكاني، فكان غزة في ذاكرة و خيال " نهاية" و هو جزء أساسي من شخصيتها، و مصر كمكان فني ثقافي تم فيه إصدار العمل الفني و الغنائي، كما كان فضاء لبعض الذاكرة و العائلة و الحب، أما فرنسا فقدمت كمكان كلاسيكي للفن و الأدب و للحب، حيث كانت الفرقة المسرحية( شموخ) و حيث بدأت الأحاديث عن الصداقة و الحب، الخذلان و الخيانة، الأنانية وحب الذات تتمحور هناك من خلال شخصيات مختلفة بين فنان مسرحي، و فنان مسرحي كبر عقله و صار سائق تكسي، و العديد من الصداقات و الشخصبان الأخرى التي ظلت محدودة، و لكنها قدمت أنماطاً متنوعة بين الشاب الذي يبحث عن الفرصة باختلاف الأسلوب و غايته دوماً تبرر وسائله مهما كانت، و الصديقة التي تمضغ إحساساً قديماً معتقاً بالغيرة من صديقتها، بالإضافة إلى البعد القومي و الهويات المختلفة التي ظهرت في الحكاية بين السائق السوري، و الكاتب المصري، الفتاة الفلسطينية الغزاوية، رغم أن الكاتبة لم تستثمر هذا التنوع الذي صنعته في تطوير حبكة القصة، و لم تجعله يؤثر في سياقها.
كيف يعيد الكاتب تشكيل شخصية الكاتب:
كيف يعيد الكاتب تشكيل شخصية الكاتب:
تكتب الكاتبة ختام روايتها من زاوية شخصية الكاتب ( محمد الرندلي) تقدمه ككاتب فذ و مشهور و صاحب صيت أدبي، لا يكاد يجد وقتاً لكثرة انشغالات، و مقابلاته الكثيرة التي لا تنتهي، و الكتابة من زاوية كاتب مغامرة أدبية و ربما مجازفة كبيرة، و حتى الآن لا زلت أتساءل ماذا لو كتبت الفتاة ( نهاية) حكايتها بصوتها الخاص.
في الحديث عن شخصية الكاتب ركزت ختام على فكرة الغموض و الخصوصية في الشخصية، بالإضافة إلى نوع من محدودة التواصل الاجتماعي و القلق والتوتر في التعامل مع الناس، و الإرتباك من المعجبات بشخصه، و هذا الحديث عن المعجبين و المعجبات للكاتب المشهور الذي لا زال شاباً في الثالثة و الثلاثين من العمر، يقدم نموذجاً مختلفاً و محدوداً كثيراً في ميادين الإبداع الأدبي!
المرأة و إعادة تركيب مفهوم الصداقة:
المرأة و إعادة تركيب مفهوم الصداقة:
في الحديث عن الصداقة تحدثت الكاتبة ختام بشكل صريح مرة في الرواية، حين كانت تحاول أن تصادق ذلك الكاتب المشهور بشكل ما، و في زاوية أخرى قدمت فكرة الصداقة كاختبار إنساني لجوهر الحياة من خلال صديقتها مريم التي تشاركت معها السكن، و الموهبة في الفرقة الفنية، و تقاسمت معها الوقت و الشعور، و لكنها ظهرت بشخصية مرتبكة و متداخلة، تكذب، تغار، تخون، تصنع المكائد.
الثقافة و الحديث عن العلاج النفسي:
الثقافة و الحديث عن العلاج النفسي:
تحدثت الكاتبة ختام حماد عن بعض الموضوعات في العمل الروائي بذهنية تشبه البودكاست الحواري، و ربما كان هذا بسبب وجود شخصية الكاتب في روايتها، و وجود شخصيتها ككاتبة، و هذا جعلها تناقش بعض القضايا حيث تحدثت عن الطب النفسي و العلاج و جاء ذلك في بضع سطور، و بشكل مفاجئ رداً على سؤال قدمه لها الكاتب و كأنه يحاورها في أحد برامج البودكاست.





تعليقات
إرسال تعليق