وجدتها:
(وجدتها ... سأوقف الحرب) قصة قصيرة للكاتبة مايا أبو الحيات، صادرة في العام 2025 عن مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي و هي من رسوم الفنانة آية البرغوثي، يقدم العنوان حالة تشاركية، فهو منذ البدء يسعى للحوار مع القارئ فيقول : وجدتها... سأوقف الحرب، كأنه يقطع حواراً عميقاً كان قد بدأه ليعلن هذه المخرجات النهائية.
سأوقف الحرب:
(وجدتها ... سأوقف الحرب) واحد من العناوين التي تقدم مضموناً أدبياً للأطفال، و تربط هذا المضمون بأدب الحروب، و ربما أدب التعافي من الحروب و آثارها، و هو أدب حديث لم يأخذ شكلاً واضحاً بعد، لكنه محاولة أدبية و فنية قيمة للإصغاء إلى صوت الأطفال، دون لعب دور الوعظ والإرشاد النفسي أو التوعية، فهنا يكتب الطفل حكايته الخاصة، بوعيه، و بحثه عن الأمن و الهروب من سطوة الحرب، إذ تحكي القصة حكاية مجموعة من الصغار اليافعين الذين يلعبون في جوار الخيام، و بشغب و لهفة تنادي سوسو على رفاقها سامي و عبير و جهاد و تعلن أنها وجدتها و أنها ستوقف الحرب، تتابع سوسو شرح فكرتها، و تحظى بمؤازرة الأصدقاء و الداية أم زكية، و الحاجة أم نضال.
الحوارات و الأبطال:
تصدر الكاتبة الحوارات أولاً، ثم تذكر اسم المتحدث في الختام، تماماً بما يشبه نمط الكلام أو السؤال المنقول في اللغة الإنجليزية question tag و reported speech ليس لأنها تقدم لنا احجية، و لكن ربما لأنها تنصت لأحاديث الصغار، و خطتهم السرية، و تحاول أن تنقلها بحذافيرها، تماماً كما يفعل مترجم فوري محترف interpret، و إن هذا بحد ذاته يسمح لنا بالتعرف على شخصيات الأطفال و توجهاتهم من خلال ما يقومون به من أدوار في الحكاية و ما يقولونه .
يوريكا .... يوريكا :
وجدتها كفعل بحد ذاته يأتي كنتيجة بعد تنقيب و بحث طويل، ففي أدبيات البحث و العلوم لا يمكن أن نسقط صوت أرخميدس العالم اليوناني الذي خرج من منزله فرحاً يهتف:
Eureka! Eureka! ومعناها: وجدتها! وجدتها! ليعبر عن الاكتشاف المفاجئ، ولحظة الومضة التي تلمع في الذهن فتتوالد الأفكار، و تلك الحالة الارخميدسية ذاتها تقدمها الحكاية، لكن هذه المرة بلسان و جهد و فكر الأطفال، العالقين في وحل الحروب، و عتمة الخيام.
هل تتوقف الحرب؟!
هل تتوقف الحرب؟ .... لا، ربما علي أن أغير صيغة الفعل و أتساءل هل توقفت الحرب؟ و كيف تتوقف حقاً، في الحقيقة لا يمكنني القفز عن الفعل أوقف، فقد قرأت الكتاب منذ أيام، و شغلني التفكير في ترجمة الفعل أوقف، لا أظنه وقوفاً مفاجئاً يشبه لعبة حركة ، سكون، فيكون الوقوف stop 🛑 ، و سواء كان وقوفاً تاماً أو مفاجئاً، فليس هذا الوقوف الذي يبحث عنه الأطفال، رغم أنه الوقوف الذي حصلوا عليه غالباً ضمن ما سمي بالهدنة مراراً.
هل يكون هذا التوقف هو finish بعد إتمام الجنود تلك المهام العسكرية القاسية التي يدعيها الاحتلال، وإذا كان كذلك، فهو ليس التوقف الذي نريده، في finish ليس توقفنا، وليس فعلنا، ولكنه فعل الجنود، و انتهاء مهمتهم.
أعتقد أن الأطفال كانوا يفتشون عن تلك النهايات التي تكتبها القصص و الحكايات الأسطورية الفلوكلورية القديمة، فيكون التوقف المقصود The End🔚 حيث تنتهي كل الخيوط و تذوب كل الحواجز و المعيقات و العراقيل، و نوقف الحرب، و نسرق عقارب الزمن، هل انتهت الحرب حقاً؟!
الأساطير و الحكايات الشعبية:
يستعين الأطفال حكايات الشعبية، و صوت الغولة، و الوحش، و المارد، و الجنية التي تحقق الأحلام، و يستعيد الأطفال صوت المعلمة تروي لهم الحكايات، فتقول سوسو: "ألا تذكر حين قرأت لنا المعلمة قمر قصة جنية الأسنان ، التي تحقق أمنية واحدة كبيرة جداً جداً جداً"، تعيد سوسو التفكير فيما قالته لهم المعلمة في درس اللغة، و تفكر في البحث عن سن لامرأة عجوز كبيرة، و وضعه تحت وسادة كبيرة جداً، و عندما يختفي السن، تنتهي الحرب!
هذه هي الفرضية الطفولية التي حكتها سوسو لأصدقائها، و التي تمكنت من خلالها حشد أصدقائها، و الحصول على دعم الجدات أم نضال و أم زكي، ربما تجد الجدات الفكرة غريبة، لكن فكرة إيقاف الحرب أمراً مغرياً، نوقف الحرب و نعيش ذلك الروتين اليومي و الهدوء العادي، العادي نأكل الفول، و الحمص، البندورة و الخبز، في مطبخنا الصغير، و نشم رائحة الخبز، و قلي البيض، و لا نلعب النرد لنكسب الرهان،هل ستتطهو التكية اليوم المعكرونة، أو العدس؟!
و نشرب الماء دون أن نقف لساعات أمام طابور طويل، ربما لا نحصل بعد هذا العناء كله على الماء، عندما يصل إلينا الدور، ننام و نصحو بلا فزع، بلا خوف من أصوات القذائف، و اخطارات الإخلاء بسبب قصف جوي قريب محتمل.
في الإرث الشعبي تطلب الأمهات من الأطفال وضع السن تحت المخدرة، حتى يتلقى الطفل هدية من شمس الشموس، بعد أن تأخذ السن، هذه المرة أراد الأطفال مقايضة سن الحاجة أم زكي، وهو سن قديم بعمرها، و وجعها و قهرها، عاش حروبا كثيرة، و نجا من الموت بأعجوبة لمرات و مرات، سن عريق عاش النكسة، و سمع والده يحكي كثيراً عن النكبة، تتمنى أم زكي أن يكون لها سن غير الذي فقدته، خاصة أنها لا تستطيع الذهاب إلى طبيب الأسنان، لكنها تقول: " حسناً، إن كان سني سيوقف الحرب فخذوه!" سيغفو السن تحت وسادة أم نضال الكبيرة والقديمة جدا، وبعد ليلة جاء النهار ولم تنته الحرب، فنظرت أم نضال نحو الأطفال و قالت: حسناً، بإمكانك استعارة وسادتي لهذه الليلة"، فكر الأطفال أن الجنية لا تأتي لأن أم نضال كبيرة، وبقي السؤال متأرجحاً في ذهن الصغار، هل يمكن لسن صغير و وسادة كبيرة أن يوقفا الحرب؟!
يقف هذا التساؤل على غلاف الكتاب في محاولة لعرض خطة الأطفال و محاولاتهم لإيقاف حرب لم يشعلوا فتيلها، لكنهم أكثر من عاشها و تأثر بها، فلا مدارس، ولا بيوت، و لا أغطية، ولا ألعاب في العيد، ولا ملابس جديدة و زينة. و هنا يأتي صوت سوسو" لقد خربت هذه الحرب حياتنا، و الكبار لا يعرفون إيجاد الحلول. علينا أن نحلها نحن."
خريطة الطريق:
على غلاف الكتاب الخارجي صورة رسمها الأطفال على الرمال، صورة لخريطة الحل ضمن إطار يشبه المربع، رسم الأطفال ضرساً و وسادة، و وضعوا علامة * في الوسط للدلالة على ضرورة اختفاء الضرس، حتى تتحقق الرؤية و تتوقف الحرب، و قد حاولت أن أكتب خريطة و ليس خارطة الطريق رغم أني لا ألمس فرقاً كبيراً بينهما، غير أن الثانية مرتبطة ذهنية بمبادرة وثيقة السلام الدولية التي طرحتها اللجنة الرباعية الدولية في العام 2003 لإيجاد حلول للانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين من خلال حل الدولتين، و في خريطة الأطفال بحث عن ذلك الروتين و تلك الأشياء البسيطة التي كانت تجعل يومهم العادي احتفالاً صاخباً بالحياة.
الروتين و تلك الأشياء العادية:
منذ سنوات كتبت مقالاً صغيراً حاولت فيه البحث في العادي، و عن العادي، وقد اعدت قراءته قبل أيام حال قراءتي لكتاب ( وجدتها سأوقف الحرب)، أدرك الآن أن أشياءنا العادية تختلف واحداً عن الآخر، و يأتي التساؤل عن تلك التساؤل عن تلك الأمنية الكبيرة التي يحلم كل واحد من الأطفال بتحقيقها بعد أن تنتهي الحرب، سامي حلم بمائدة طعام كبيرة عليها حمص، و قلاية بندورة، و فول بالبندورة و الطحينية، و الكثير من الخبز الزاكي، جهاد حلم أنه ينشر الغسيل على شرفة منزلهم، و يطير من الفرح لأنه يرى معلمته تسير في الشارع، أما سوسو فتحلم أنها تنام على سرير مريح، و هي تحتضن بدها، و أمها تقرأ لها قصة قبل النوم.
كأن شيئاً تغير:
لم تكن هدنة، ليس تعايشاً مع الألم، ليست مساعدات إنسانية تلقيها الطائرات فوق الخيام فيتلف أكثرها إن لم يكن كلها، لكنه الإيمان بالحلم، و الأمل في الحياة، في ذلك الحق في الوجود، بعد ليلة هادئة رائعة تبدو تلك الأحلام الصغيرة حقيقة يبتسم لها الصغار.





تعليقات
إرسال تعليق