حلوى الجنوب مليون ذاكرة و حرب

 

مليون ذاكرة و حرب 
في العام 2015 كتب الروائي و الفنان التشكيلي مروان عبد العال رواية بعنوان ستون مليون زهرة، رواية تتبعت تفاصيل الحرب في غزة، و ربطت بين لحظة الآن التي تحياها البلاد، و بين ذلك التاريخ و اختلاط روح الأرض و الإنسان الفلسطيني فتحدث عن ذلك الترابط بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ترابط في الروح، و العلاقات الأسرية، و المصاهرة، و ظلت الحرب تلك المعزوفة التي تقض مضجع الجندي المجهول آن ذاك.
اليوم وفي نهاية العام 2025 أبدأ الحديث عن رواية ( حلوى الجنوب) لصديقتي الكاتبة أريج عيسة Areej Al Ayaseh  
و لا تغيب روايتك الكاتب Marwan Al عن بالي 
لا تشبه إحداهما الأخرى، و لا تكمل الواحدة حكاية الأخرى، لكنها عشر سنوات محملة بالحروب التي لم تضع أوزارها حتى الآن، ولا زالت ليالي البلاد محملة بالكثير عن الوجع و الألم و الحروب و الانتظار، و اليوم أقول مليون ذاكرة، و حرب، و بالكاد أقول مليون، فكم من الأعمار التي داستها رحى الحرب حتى الآن و لا تزال .







ذاكرة الأطفال و حرب: 
الكتابة عن الحرب في وقت الحرب ذاتها ليس نوعاً من التذاكي، و ليس محاولة للحصول على سبق أدبي خطير ليس له مثيل، لكنه وسيلة ربما للتشافي و ربما التعافي من ثقل لحظة الحرب المضنية، و ربما هي رسالة اعتذار دافئة لأن لا شيء آخر نفعله يمكن أن يوقف هذا الدمار، و تلك الحرب.
تكتب أريج عن تلك الحرب على مسافة جغرافية منها، مسافة لم تختارها لكنها موجودة بشكل لا يمكن تغيره على أي حال، فتتكئ على صوت الأطفال و ذاكرتهم، و أحاديثهم الغضة البسيطة، لتكون الرواية حالة من الذاكرة شبه اليومية، ذاكرة شبه يومية، و كنت أتمنى أن أقول أنها تشبه أدب اليوميات الذي ابتدعه خليل السكاكيني ببساطة تسجيل لحظة اليوم العادية، بترويسة خفيفة يكتب فيها تاريخ اليوم وتاريخه ، و يسجل ملاحظات بسيطة عن صيرورة يومه، بسيطة إلى حد لا تتجاوز فيه أن يقول: كان يومي مثقلا اليوم بكثير من الالتزامات ...
لكن لحظة الحرب تترك بصمتها في طريقة الكتابة ووقعها، وإن كانت أريج تختار أن يروي طفل من الأطفال الرواية كاملة، بلسان الراوي الأول كلي المعرفة إلى حد ما، فهذا الطفل يحكي كثيراً عن كل شيء يدور حوله، إلا هو...

حرب و حلوى:
 في الرواية التي امتدت صفحاتها إلى ما يقارب الستة و ستين صفحة من القطع المتوسط، و التي كانت من إصدارات دار مختلف للنشر و التوزيع، كانت الحلوى فيها مختلفة، و في الحكاية حلويان، أما الحلوى الأولى فهي (بعض السكاكر و الحلويات) العادية وهي حلوى حقيقية ملموسة، كان الطفل و زملاؤه يأخذونها من صديقهم محمود، وهو ليس صديقا مفضلا بالنسبة لهم، لكنه يقدم لهم الحلوى من دكان والده، فلا ضير إن لعبوا معه قليلاً على أنه ليس محبوباً: ( و محمود الفتى السمين. كنا مجبرين على مصادقة محمود،لأن والده كان يملك دكانا بجانب مدرستنا،و كان يحضر لنا بعض الحلوى كل يوم) هذه كانت الحلوى الحقيقية التي أشارت لها الكاتبة، و في إضاءة أخرى لكثير مما نكون مجبرين عليه لسبب أو لآخر، أما الحلوى غير الملموسة، فكانت حلوى الجنوب، التي تتمثل بالأمان النسبي لبعض الوقت، لكنها الحرب على أي حال و لا حلوى في الحروب.

حرب رمضان و أعياد: 
لا أقصد حرب رمضان المجيدة في العام 1973، بل حرب بدأت في غزة ولم تضع أوزارها فكان رمضان بلا زينة، بلا مآذن، دون ولائم و احتفالات، نعم يوجد تجمعات عائلية، لكن لا جدران ولا بيوت، بل يجتمعون في ظل خيمة،وتحت سقف مدرسة، و قد تسلسل الطفل في سرده، و انتقاله من مكان إلى آخر ، و كأنه يترك لنا تلك المساحة لنرسم معه خريطة الوصول إلى الحلوى في الجنوب ، إذ يقول: في العاشر من أكتوبر اصحبني أبي ،مع صديقي محمود الذي لم يكن يريد انتظار محمد فسبقنا إلى المدرسة، وبعد خمس دقائق قصفت المدرسة فجأة...) ويستمر الطفل بالسرد،توالت الغارات، ذهبنا إلى بيت عائلة أمي ( بيت جده لأمه)،وصلنا الساعة التاسعة إلى بيت جدي، و هكذا، و هنا أظن أن صوت الكاتبة تداخل كثيراً مع صوت الأطفال الصغير في سرده لمسيرته وعائلته، حيث كان الطفل دقيقا في توثيق اللحظة، بالوقت والتاريخ، واليوم ، ووصف المكان،و حدوده، وطبيعته، وهي أمور قد لا يدركها الأطفال بهذه الدقة و المصداقية الواعية.
و لكن وعي الطفل أشار في حديثه عن رمضان، واختلاف شكل الموائد، واختفاء الزينة، وإن كانت الوسائل الإعلامية تظهر حالة من الاحتفال رغم الحروب، لكن صوت الطفل عبر عن ذلك مرتين و بوضوح كبير، فلا ثياب عيد و اكتفى بارتداء ثياب عادية متبقية لديه، ولا موائد و أضحيات في عيد الأضحى،كما أشار إلى صعوبة الوصول إلى الطعام في مراكز الايواء في المدارس و المستشفيات( كنا نحن الصغار نذهب لإحضار طعام الغداء من مكان بجوار المدرسة،كنت أفضل عدم تناول الطعام على الذهاب لإحضاره،فالحصول عليه كان أشبه بالمستحيل،لوجود عدد كبير من صفوف الناس)

العائلة و النزوح: 
التنقل في الحرب لم يكن ترفا، كان لحظة مضنية للبحث عن مكان أكثر أمنا، وفي الحرب هناك اللحظة الإجتماعية التي تدفعك للتنقل مثل قدوم الخالة:( لم نستطع المكوث في بيت جدي سيما بعد مجيء خالتي هناء و أطفالها) ، ولحظة الحرب الشرسة أيضاً مثل قصف مستشفى الشفاء: ( توهم أبي أولا أن المكان آمن، كان بيت عمي في المنطقة الغربية الوسطى من قطاع غزة ،في شارع الوحدة، قريباً من مستشفى الشفاء)

وهنا تحدث الطفل بالتفصيل عن يوم الجمعة ذلك الثالث من تشرين الثاني، و هي سرديات متناقلة حول المستشفى، و ردت أيضاً مثل هذه السرديات في فيلم توثيقي حول المستشفى ( مستشفى الشفاء جرائم مدفونة) كنت قد كتبت حوله سابقاً 

حرب و هوية بلد: 
في الحرب يتسع الدمار و تضيع هوية بلد، لكن الكاتبة تبحث في زوايا المكان عن هوية واضحة البلد في حي الشيخ رضوان، و تتحدث عنه، كما كنت تحدثت يا مروان عبد العال عن ميدان الجندي المجهول، فهي تصف المكان و تتحدث عن تاريخه، و أصول تسميته ،كما تنتقل للحديث عن أهله و كرمهم فرغم أنها الحرب، إلا أن أهل الحي استقبلوا النازحين من مناطق أخرى بترحاب وود و محبة.

الخيام و الأمطار ، الحرب و الجوع ، المدارس و القصف، الطلاب و حالة الغياب التام للتعليم،لا ليس تاما، فقد تحدث الطفل عن انتقاله مع العائلة إلى مدرسة تقوم فيها المعلمة آية ، وهي معلمة لغة إنجليزية نازحة بتعليم الأطفال ، من خلال بعض الألوان و الأوراق، و رغم أنها الحرب إلا أن الطفل كان يتحدث بتلقائية أحياناً عن حبه للعب، و المزاح، و تجاربه الصغيرة في القفز ، ولعبة السبع حجار و غيرها ، ولكنه أحياناً كان ينطق بوعي الكبار و لغة و لسان الكاتبة مثل عدم وصفه لأمه وهي تعد الكعك في العيد حيث قال اجتمعت النسوة تصنع العمول، و هنا كان صوته أشبه بصوت صحفي في نشرة إخبارية ، يحاول تجميل بشاعة الصورة.

ليلى و هند: 

في كل حرب تسقط الحرب ذات يوم و تبقى بعض الأسماء موسومة بثقل الوجع، هكذا لا زلنا حتى اليوم نتذكر هند رجب و صوتها، و نتختزله في فيلم، و نتذكر الأطباء و كذلك نراهم ونوثق الألم في فيلم، و تلك ليلى، لكن صراعها اليوم ليس مع ذئب اشتهى الكعك في سلتها، لكنه مع قصف جعلها تفقد أطرافها، و بدأ الانتظار ثم الانتقال للعلاج إلى الأردن، انتقال الام فقط، و عودتها لاحقاً دون ليلى.
  هنا كانت لحظة الوجع المؤلمة التي سمحت فيها الكاتبة بشخصيتها التعبير عن وجعها من غياب وفقدان ليلى ، ثم البحث عنها، ثم القلق عليها من السفر و المرض، ثم الحزن على موتها.

كثير من الصور و الحرب: 
في ما يقارب ستين صفحة هناك ازدحام بسرد القصص، والتنقل ليس بين الأماكن و حسب، بل بالتنقل بين عامين من الوجع،حتى كيف هدنة لم تثبت حتى الآن، و هذا جعل الكتاب أشبه بالوثيقة الأولية، و ربما اليومية التي يمكن العودة إليها و إعادة قراءتها، و كتابة الكثير من القصص التي ترشح عن هذه الرواية المزدحمة بالذاكرة.

إنها الحرب، ولا تضع الحرب أوزارها و أنه الشتاء ثانية، و هي الخيام الباردة و الجدران المنهارة، و كم رواية نكتبها قبل أن ينتهي كل هذا الألم.

تعليقات