قمر على هذا التراب و أصوات حياة


قمر على هذا التراب و أصوات حياة 
في ظلال مئتين و ثمان و أربعين صفحة تزدحم أمنيات الحياة و البحث عن ظلال ضوء، و أجراس تشي بضوضاء العيش و استمرار الحياة، و على هذا التراب تتسامى كلمات القصائد و يعلو صوت رنينها، و عبر ما يقارب ستين مقطوعة شعرية، تعزف القصائد ألحان الإمتنان لصمود التراب، و جراءة الوقوف في ظل القدر بإيمان و انتظار للحظة وهج ستأتي بقمر يضيء العتمة على هذا التراب.

قوالب كلاسيكية و أصوات حياة: 

تبدو الترتيبات و القوالب الكلاسيكية أكثر أمانا في قراءة و تحليل و تفكيك النصوص، و ربما سيقتضي الأمر مني وقوفاً غرائبياً أغازل فيه العنوان، و أحلل بغباء و دهشة صورة ذلك القمر، و أنفي انحناءه على التراب، و أسوق الدلائل من حيث لا أحتسب، و أقول في النهاية أن العلاقة بين القمر و التراب علاقة سمو و رفعة، و لكن جغرافية الشعر في الكتاب، و إطارها الزماني، والمكاني، و ارتداد لحظة الوعي الفكري و الانساني للشاعر تفرض علي لزاماً أن أكون في موازاة هذه التشكيلة الفنية الفكرية، و الإبداعية التراكبية، التي تفكك لحظة الآن الحالي، و تعيد تشكيلها، ثم مرة أخرى تنبتها على هذا التراب كلمات و قصائد و أحلام.

أصوات حياة و لحظة واقع صاخبة: 
قرأت قصائد الديوان الشعري ( قمر على هذا التراب) منذ فترة في نهاية العام 2025 و بداية العام 2026، لكني عدت لإستعادة صوت القصيدة اليوم، بينما كنت أستمع لتقرير صحفي حول فيلم وثائقي بعنوان " الطبيب الأخير"، أستعيد صوت القصيدة و أصغي لصوت و صورة التقرير في لحظة تؤكد وقوف الأدب والشعر موفقاً راسخاً صامداً صلباً في وقت الوجع و الألم، في زمن الاحتدام و الاصطدام، ففي وقت الألم تكتب القصيدة، و في وقت الجرح نفتش عن الضماد، و نربط على الجراح، وليس على مسافة سنوات من 
البعد زمناً و جغرافية، فالقصائد تغذي لحظة الوعي القادم نعم هذا أكيد، لكنها لا تكتب في لحظة الوعي فهي إبداع إنساني و ليست بحثاً معرفياً تراكمياً، و القصيدة تعكس لحظة واقع صاخبة بانحياز تام للوجع وجنوح كبير للأمل و الحياة.
" من حوله ذئب المنية نادني 
ستطيح في النسيان رملاً تعصف 
قدر الرحيل إليك فاعتنق النوى " 
و تستمر خيوط قصيدة البيت حتى تتجلى إرادة التحدي و إستعادة الحياة كما روح العنقاء من روح التراب " أيوب أنت معاند لا توجف...للبيت أفئدة تهش سرابها....للبيت أسرى النور ... إن الهوية لا تموت و تحذف" 

لحظة واقع صاخبة و فيض من كلمات: 
لأني لا أجيد نظم الشعر، تأخذني كثيراً غواية القصيدة و هي تتجلى بكبرياء كلماتها و علوها، و عمر تفرضه بدهاء الأنا الراسخة، و لأني أكتب القصة القصيرة أفتش كثيراً في ظل القصائد عن صوت الحكايات و أجدها غالباً و اخترعها في ذهنية ما أحياناً إن تعذر رؤيتها ولم يطل هلالها، و في القصة أرى ضمير الأنا الحاضرة( ضمير الراوي الأول كلي أو جزئي المعروفة) نوعاً من الضعف و محدودية الرؤية، و إنعدام الحيلة، و قليلاً ما استخدمه في الحكايات، لكن ضمير الأنا الحاضرة في القصيدة هي ضمير البطولة و المواجهة، و إعادة رسم الميدان من وجه نظر البطل الحاضر في وسط معركة المواجهة و الحياة، وليس بلسان الناقل الراوي الذي يحكي عن الآخرين ولا يكون جزءاً منهم، و هنا كانت القصيدة ثانية ميداناً للبطولة، بأناها الحاضرة دوماً.
" لقد أتعبت بالمعنى ... فقلت قصائدي انفلتي... كأني بانكسار بت مأسوراً على صمت ...طعنت على سبيل الحلم ...و بي حرق على الرئة..." 

فيض من كلمات و اعتذار القصيدة: 
في فلسطين تتشكل قوالب القصائد مبتدعة أنماطاً 
فنية لم ينته إليها الشعر العربي الحديث و القديم سابقاً، لكنها فلسطين تبدع في كل لحظة أشكالاً جديدة من أبواب محاكاة الحياة في ظل قصيدة، فمثلما خلقت حالة السجن و الأسر الطويلة اللامنتهية في فلسطين أدباً خاصاً مرتبطاً بالأسرى، أدباً مترفعاً عن القوالب الأدبية، عابراً لكل العدسات النقدية، فقد خلقت الحالة الإنسانية الفلسطينية أيضاً نمطاً من قصائد الإعتذار الصريح و المباشر عن كل ما يحدث، فليس هناك كثير ليقال مع كل هذا الألم، لكن لندع القصيدة تتحدث و بكثير من الوضوح، فليس الإعتذار بوابة مناسبة للمواربة، يكفي أن تقول آسف بهذا الوضوح و التجلي، أتذكر أني كتبت قصة بعنوان " التغطية مستمرة" كانت في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الصحفية شرين أبو عاقلة، قصة بعنوان واضح و ليس عنواناً أدبياً بقدر ما هو واضح تماماً كما لو أنه عنوان لفيلم وثائقي، و بالوضوح ذاته أقرأ قصائد للشاعر سائد أبو عبيد : في غزة... و غزة في سطوة موت و رحيل.... إلى شرين أبو عاقلة.... إلى أسرى الحرية( أسرى النفق)، ليلى جثة الحرب، و في هذه القصائد لا أنفي أبداً عنها روح الإبداع، بل أثبته لها كما أثبته بدءاً لنفسي، ولكني أقول أنها قصائد إعتذار و وفاء.
" لقد جئت أسعى إليها مؤمناً باللقاء... لكنها الطائرات التي سابقتني إلى ضمها " 

فلسطين بلاد الأنبياء: 
ليس بحثاً تاريخياً أثبت فيه حقيقة مثبتة كهذه تقبل القسمة على خمس و عشرين نبياً، فالكل مر من هنا في طريقه إلى السماء، لكني أقول أنها كذلك لأحدثكم عن تناص القصيدة، لا بل تناص القصائد و الحكايات، في تحليل ديناميكي لأي نص قصصي أو شعري إذ أستعيد مقاعد الدراسة الأولى في المرحلة الأساسية و الثانوية، كان البحث عن تناص ما في القصائد غنيمة عظيمة قد نجني إثرها بعض الدرجات الدراسية التي لن تجدي معنا نفعاً في الحياة آنفاً، ولا أقول هذا الآن لأتذمر من نهج دراسي معرفي سائد، ولا لأثبت عنائي التاريخي الشديد في تفكيك و إعادة تركيب الصور والكلمات، ولكني الآن و في قراءتي لقمر على هذا التراب لا أنقب عن حالات التناص الديني و التاريخي و الجغرافي و الإنساني، بل هي حالة تتجلى لتقول كلمتها في العمر القادم من حياة فلسطين، و تثبت صيرورة تاريخية إنسانية كانت ولا زالت حتى الآن،" ووجوه في طور بدايتها نامية ...

أرواح مطهرة بأيدي الناس ...و التوراة والإنجيل والقرآن و القرطاس " 
و في مواضع أخرى كان هناك استخدام لانعكاس شخصيات الأنبياء والمرسلين لا بجسدهم و ذاتهم بشكل مباشر، بل بانعكاس حكاياتهم و صفاتهم مثل النبي أيوب عليه السلام و ارتباطه بثيمة الصبر ، النبي يوسف عليه السلام و حالة التيه و الخذلان ثم الاستحقاق الإلهي بالنصر والتمكين.

هناك كثير من الكلمات و الحكايات المزدحمة في ذهني حول هذا الإبداع الشعري الذي جاء في زمن الحرب و الإبادة، حيث صدر في العام 2025 على مسافة عامين من الحرب في قطاع غزة، و سجل لحالة شعرية أدبية مسبوكة بعناية فائقة، متجسدة بقصائد أدبية تحيا عمراً، حيث لم تكن أي من هذه القصائد قصائد منبرية لحظية تصلح للحظة تجلي خلف منصة شعرية، تطمع ببعض التصفيق قبل أن يخفت نورها.
قصائد تحدثت عن الذاكرة و التاريخ و الجغرافيا و الإنتماء و الحياة، و التشظي و الموت، و الهروب من الموت، عن اليومي في البحث عن دفء و بعض ماء، و كهرباء علها تأتي ببعض ضوء و قليل من الصحة، عن تفاصيل العادي و اليومي الذي بات متعباً ضمن كل شيء كان و سيكون.
أنا لا أثرثر عادة ولا أظنني نجحت في هذا الآن أيضاً و قصيدة( قمر على هذا التراب) لا زلت أحب أن أقف في ظلها بشكل منفرد، إذ تجسد حالة شعرية متفردة، حيث كانت القصيدة الأطول في هذا الديوان، و حملت اسمه كما يحمل الوالد اسم ابنه البكر، فيكنى به، ولا تدري بعد ذلك أيهما يحمل الآخر، و كذلك أتساءل هل حملت القصيدة الديوان أم حمل الديوان القصيدة، وهل وصلا معا إلى مكان ما؟! 

تعليقات