حكاياتنا... صورة الفن و صوت الحياة ( فيلم جَنين جنين)

أما الساعة فكانت الحادية عشرة صباحاً بتوقيت الوفاء، و أما في عمر الوقت فقد تأخرت لحظة البدء بضع دقائق، ربما لأن المسرح في روحه المستضيفة للفعالية، يعكس بصوته، و فنونه، وبصمته صورة رمادية باردة لساعاتنا المتوقفة منذ عقود، بضع دقائق حزم فيها الحضور ضوضاء انشغالهم، و أهدوا أنفسهم لحظات من الوفاء و الإنتماء للبلاد و الإنسان.


تقدم وزارة الثقافة الفلسطينية في جنين وزارة الثقافة جنين و بالتعاون مع مسرح الحرية في قاعة مسرح الحرية بالقرب من دوار الداخلية بدأ فيلم ( جَنين جِنين) يعود بنا أعواماً طويلة إلى الوراء، و بين فيلمين فيلم (جَنين جِنين 2023) و فيلم( جنين جنين) يبدو صعباً أن تمر اللحظة دون أن تنظر في مفكرة عمرك و تقول : ( كنت في العاشرة آنذاك! ) 😉 - حتى وإن لم يكن الأمر كذلك تبدو كلمة العاشرة موسيقية على أي حال- يصنع مسرح الحرية The Freedom Theatre مسرح الحرية لحظة وفائه الإنساني و الفني للفنان المسرحي محمد بكري Mohamad Bakri على مسافة أربعين يوماً من الغياب، يغيب الفنان المسرحي محمد بكري و يترك كثيراً من الكلمات و الحكايات و الصور، و كثيراً من اللحظات غير المكتملة، و كثير من الأعمال الفنية و المسرحية، تبقى صوتاً آخر للحياة، و جسراً حاضراً بين حياتين.


حكايتنا و أصوات غرباء: 
هل قلت بين فيلمين تبدأ الحكاية؟! لا يبدو هذا توصيفاً دقيقاً، إذ يأتي صوت المخرج محمد بكري مستعيداً صورة اللجوء عام 1948، و النزوح عام 1967، و أصوات و وجوه جنين، و مخيم جنين تحكي تكسر لحظتها الإنسانية الهشة ذات ألم، ذات اجتياح، وفي الوقت الذي يروي المخرج حكاية صراعه القانوني الخاص بعمله الفني جنين جنين، تظهر قاعات المحاكم، و أصوات الإدعاء، وإن لم أفهم شيئاً مما قيل، كان كافياً أن نرى و نسمع صوتنا الموازي، إذ قدم البكري دفاعه الفني الخاص من خلال صوته مرة، ومن خلال عودته لأصوات و كلمات و شهادات كان قد رصدها سابقاً في عمله الفني جنين جنين.

يا ريت أرجع عالبيت: 
البيت حكاية قلق جديدة قديمة كان يعيشها الفلسطيني ولا يزال، بصوت فتاة صغيرة تأتي هذه الكلمات:" يا ريت أرجع عالبيت" و كأن صوتها ظل معلقاً، تتكرر ظلاله في أعوام كثيراً، ولا زال كثير من أطفال مخيم جنين يقولون: " يا ريت أرجع عالبيت" فالبيت مساحة الأمان و التخفف من ثقل الوجوه و الترقب، البيت نوافذه، أبوابه، جدرانه، و الغياب قسراً عن البيوت ذات ألم، ذات غياب و اجتياح.

النساء ظل الحكاية... ظل الثبات: 
النساء وجع المدينة الصامت، الهادئ في ركنه المظلم، إذ تعيش ارتدادات الوجع بكبرياء صامت، قليلاً ما تبحث عن جلسة عامة تحشد حولها الجموع لتروي وجعها، في العام 2002 فتشت عدسة المخرج عن ذلك الصوت الخفي فكانت حكايات الألم في غرفة صغيرة لأطفال، غرفة كانت هنا، و أسرة صارت حطاماً و رماد، وكان القلق على الحفيد الصغير بسنواته الخمس، و روح سيدة تضبط إيقاع الحياة في منزل ينقصه الماء و الكهرباء و الغاز، وربما تنقصه الحياة ذات اجتياح، و يحكي صوت طفلة صغيرة إذ تقول: ( النسوان مخلصوش) تحكي عن استمرار عجلة الحياة بروح سيدات يلدن حيوات جديدة ما استطعن إليها سبيلاً.

عن الأكتاف و مسافة الامتنان: 
يعود المخرج متنقلاً في زمانه الإنساني بين وجوه صنع معها ذاكرة خاصة، وجوه لا تنساه، ولا تغفل عن أي كلمة تبادلها معهم ولو كانت مزاحاً، يعود مربتاً 
بيديه على أكتافهم، و كأنه يرفع عنها كل ثقل وعناء تحمله و تكابده هذه الوجوه و الشخصيات، وفي الصور صورة لطفل يقع قريباً من شاهد قبر والده،و يضحك إذ يقول " إنه في الجنة" وعلى مسافة أعوام يلتقي البكري بهذا الطفل ثانية وقد أصبح شاباً، وثانية يقول:" إنه في الجنة" ثقيلة هي اللحظات كانت ولا تزال، لكننا كنا ولا نزال، ففي فلسطين على علماء اللغة أن يفكروا في ابتداع فعل معجمي جديد، يرسخ الانتماء و الذاكرة في الزمن الماضي، و يبدع في اجترار الحياة جميلة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.


أحمد طوباسي صورة الفن و الحياة: 
في الفليم صورة للإنسان الفلسطيني الشاب الذي ولد لاجئاً في مخيم جنين، و كبر تحت جنح الاجتياحات المتكررة، ومن نافذة بيته المحطمة، و قلقه الإنساني على العائلة و بنات إخوته الصغار، ومحاولة الموازنة بين رغبة والده في البقاء في منزله و الثبات خوفاً من نزوح جديد، و رغبة جامحة في استمرار صوته صوتاً ثابتاً إذ يقول في عمله الفني الذي يروي فيه حكايته الخاصة: " أنا من هناك" ولا يهم حقاً إن تغيرت هذه ال هناك في دلالاتها مكانياً و زمانياً، فالأهم هو حضور هذه الأنا الفلسطينية الثابتة رغم كل شيء.

أنت جميلة كوطن محرر، و أنا متعب كوطن محتل، هذه كانت واحدة من الجمل التي سجلتها عدسة كاميرا المخرج محمد البكري في تجواله في شوارع مخيم جنين، على أحد الأبواب المتكئة على أحد الجدران، غزل فلسطيني لا يمكن أن تجد ما قد يشبهه في مكان آخر، لجيل عرف كثيراً من التعب في بحثه عن الجمال.

تعليقات