تبدو صفحات الكتابة أنيقة جداً، مرتبة بكثير من العناية، صفحات معدة بأناقة ومتانة إذ لا يمكن ليد طفل فضولي في السابعة من العمر أن تمزقها بينما تتجول بشغف بين الصفحات، و الصور المرسومة بألوان برائحة الأرض و التراب تتمايل بين البني و الرملي و تتداخل بطيف ألوان الشمس، و خضرة الربيع و ألوان الحياة في مدينة القدس.
تفتح القدس بوابتها الخفية لأطفالها، إذ تصحبهم الكاتبة ابتسام بركات عبر كلماتها في رحلة غير اعتيادية، ترسم خريطتها رسومات شارلوت شاما في نوع من التجانس الفكري بين اللوحة و الكلمات، و كأن الكتابة كانت تحدث في موازاة الرسم، و لم تكن فعلاً تراتبياً لاحقاً يساند الكلمات، بل كانت الرسوم و اللوحات بحد ذاتها شريكاً في النص، وربما أن ما يؤكد هذا هو أن القصة حصلت على الجائزة الدولية لأدب الطفل العربي لعام 2025 في فئة الكتاب المصوّر، فإن لوحة «جمل المحامل» تظهر في الحكاية كشريك سردي، و تؤكد أن هذه الصفحات ليست مجرد قصة عن القدس؛ هي أيضاً قصة تتداخل فيها اللوحة مع الخيال.
في بوابة القدس الخفية الصادر عن دار السلوى للنشر و التوزيع نقلب ما يقارب 36صفحة تنبض بالحياة، و تضج بأصوات مدينة القدس و روائحها و نكهتها، و تفتح أبوابها للاطفال بابتسامة عريضة عبر باب العامود.
قصة مدينتين:
تخبئ بوابة القدس الخفية بين طياتها حكاية مدينتين، و على مسافة من الزمن و التاريخ و ربما الاحتلال عكست رواية تشارلز ديكينز قصة مدينتين في العام 1859 حكاية قلبت عبر صفحاتها الثورة الفرنسية و انعكاساتها في الأدب و التاريخ و الحياة الإنسانية، و كأن ذلك الأثر الذي يتركه الاحتلال في النفس و الأرض... الذاكرة و المكان لا يتغير باختلاف الأزمنة، مهما تبدلت ملامحه.
ومن مدينة قلقيلية المقيدة بالبوابات التي تفتح و تغلق بشكل عشوائي، تبعاً لأمزجة العسكر الذين يقضون الوقت على أبواب مدينة تتنفس القلق والتوتر و الانتظار، و تسابق عقارب الساعة، حتى لا تفوتها مواعيد فتح وإغلاق البوابات، تبدأ خطوات الأطفال يستكشفون المكان في متحف فني، يعرض عدداً من اللوحات الفنية و يقف ثلاثة أطفال، فتاة و صبيان أمام لوحة الفنان الفلسطيني سليمان منصور "جمل المحامل" و تظهر اللوحة بصورة اللوحة الحاضنة في أروقة المعرض، هي ليست عملاً فنياً حديثا، ولا لوحة لا زالت تفتش عن الإعجاب في عيون المارة، بل كانت لوحة للتاريخ، و واحدة من الهويات الفنية المهمة التي تعيد تشكيل مدينة القدس، اللوحة التي رسمت في نسختها الأولى في السبعينيات، و تاهت في عام 1986 بما يشبه حالة اللجوء الفلسطيني، و دوماً كانت هي الهوية التي يعاد تأكيدها و رسمها و تشكيلها، و مهما اختفت، ومهما ضاعت، تعود من جديد و كأي عنقاء فلسطينية ترمم ذاتها، و تجدد حضورها .
ماذا لو ... و أمنيات الأطفال:
كثير من الحكايات، من المغامرات، من المتعة التي يقضيها الأطفال، تبدأ في لحظة خيال سارحة في ملكوت الأمنيات، هكذا يتأمل كريم و أمجد و نورا لوحة الفنان سليمان منصور، و أطلقوا العنان لأمنياتهم ماذا لو نستطيع زيارة القدس! .
هكذا تصغي خطوط القصة لأصوات هؤلاء الأطفال، و تترك لهم النافذة مواربة ليطلقوا حناجرهم بأمنيات جميلة دافئة:
ماذا لو كانت هناك بوابة سرية يستطيع الأطفال من خلاله الوصول إلى القدس؟ تعكس هذه الأمنية لحظة بناء العقدة القصصية الخاصة، و باتزان الأمنيات تجسد الكاتبة في هذه الكلمات أمنيات لجيل من اليافعين نشأ و كبر ولا يعرف القدس إلا لوحة في صورة، أو تقريراً اخبارياً على التلفاز، وفي أحسن الأحوال صور جميلة تتدفق عبر الصفحات و المنصات الإلكترونية الحديثة، التي تعيد تشكيل المكان أكثر مما تعكسه بصورته النقية الصافية.
لوحة للتاريخ:
لوحة جبل المحامل... أو لوحة العتال الفلسطيني اللوحة الأصلية للفنان الفلسطيني سليمان منصور تعود إلى عام 1973، وتصور رجلًا فلسطينياً كبيراً في العمر، يحمل القدس على ظهره،في صورة رمزية مرتبطة بالحفاظ على المدينة وذاكرتها وقضيتها و هويتها الفلسطينية.
اللوحة التي يحملها عجوز فلسطيني ينتمي إلى الرعيل الأول من أبناء الوطن المناضل، يحمل القدس بكل صورها، و أبوابها و خياراتها، و أسواقها و أصواتها، و يظهر الأطفال مرآة لجيل شاب في مقتبل العمر، يعرف القدس من حكايات أمه، و ذاكرة الدعوات و الصلوات التي تؤديها العائلات الفلسطينية هناك، إذ يسمح لها بالحصول و الدخول خلال شهر رمضان، و بموازاة هذين المشهدين تولد خيوط القصة التي ترسم مساراً خفياً للأطفال نحو القدس، مساراً يمر من خلال الفن و الإبداع و يسير مستكشف أيضاً مدينة القدس.
الأمنيات و حبل سحري لنبدأ المغامرة:
يتحدث الأطفال أمام اللوحة و يطلقون أمنياتهم بالوصول إلى القدس، يسمع جبل المحامل في اللوحة صوت الأطفال، ويمد لهم حبلاً ، فيدخلون من خلال اللوحة إلى القدس! مغامرة يرتبك من هولها الأطفال في لحظتها الأولى، و كأن الحبل عصا النبي موسى عليه السلام، و ربما بود يده البيضاء التي أخرجها من جيبه ومدها إلى الأطفال، لتبدأ رحلتهم، هكذا يصبح حبل حبل المحامل بساط الريح الخفي، و ظل رسالة الأنبياء في أرض الرسالات.
خطوات داخل المدينة:
حين تذهب للقدس في إحدى الأيام الرمضانية، أو إحدى الرحلات الجماعية التي تعدها بعض السيدات، و التي لم أحظ بالذهاب بأي منها حتى الآن، ستتمكن من مشاهدة بعض صور المدينة، لكن الأطفال أمجد و كريم و نورا و بفعل تأثير لحظة الطفولة و الرغبة في الاستكشاف يتجولون بمتعة ربما لم يشعر بها أي زائر قلق بمسار العودة مساء إلى البيت .
تبدأ مغامرة الأطفال داخل المدينة، يصلون إلى باب العامود ويتجولون في أزقة القدس وأسواقها وشوارعها القديمة.
خلال الرحلة يتعرف الأطفال إلى المدينة بطريقة حسية وحياتية، يتأملون المكان، و يلمسون الجدران، و يتبادلون أطراف الحديث مع الناس، و يتناولون الطعام، و يمشون في الأسواق، و الأزقة، و يلعبون الألعاب الشعبية مع الأطفال،و ينظرون بدهشة بالغة إلى المعالم التاريخية.
تقدم القصة فهرساً جغرافياً، و دليلاً سياحياً واضحاً المدينة، بالإضافة إلى انطباعات و آراء الزوار و الرواد، التي تقدمها القصة على لسان الأطفال، وتذكر القصة عدداً من المواقع بدء بجولة من باب العامود تشمل و انتقل عبر طريق الآلام و كنيسة القيامة، و السوق، و المهن العديدة المختلفة، و البيوت القديمة، و النمط المعماري الفريد لأبواب بيوت البلدة القديمة في القدس، و تلتصق المنازل، وفي المساء و قبل الغروب كان الوقوف في ظلال ذلك النور والوهج القادم من وقبة الصخرة ولونها الذهبي.
أجيال تحمل القدس:
في نهاية الرحلة يعود الأطفال عبر اللوحة إلى المتحف ثانية في مدينة قلقيلية، لكنهم لا يعودون كما ذهبوا؛ يحملون معهم ذكريات القدس وأصواتها وروائحها ونكهاتها وصورتها في عيونهم و ذاكرتهم، وعندما يحمل الأطفال شيئاً من القدس في داخلهم، يصبح حمل المدينة أخف على الرجل في اللوحة( جبل المحامل).


تعليقات
إرسال تعليق