هنا صُنع الأمل
هنا صُنع الأمل، وهذا هو ذلك الفعل المبني للمجهول: صُنع... صُنع الأمل من بعض أوراق ملونة، و كثير من الإبداع يصبح الورق ورداً، و اقترب إليه أكثر لتشم عطره، و تصبح لفائف الكرتون نحلاً و فراشات، لا نفتش عن أمل بعيد، ولا نغفو لكثير من الوقت علنا نرى الأمل أضغاث أحلام، نصنع الأمل و الحياة، فتصير كرتونة البيض الفارغة لوحتنا الفنية، و بكثير من القصة، و إعادة التشكيل، يصبح الكرتون دودة تكسر عتمة شرنقتها فتصير فراشات، و فراشات تكبر، تصير فتصير أعلاماً و أغنيات.
تسرق الأعطال الفنية لحظة ارتفاع أنغام السلام الوطني الفلسطيني، فتغنيها اللوحات وهي ترسم الصبر، و الشجر، و الجبال، و بين زرقة السماء و امتداد البحر، يرسم الأطفال غزة بكثير من الحب و الورد و الكبرياء، فلغزة حكايةٌ تسكن القلب مهما ابتعدت المسافات.
ليس الأمل سرًّا دفينًا، وليس خبيئةً تضعها نسرين للأطفال واليافعين في مكان سرّي، وترسم لهم خريطة كنز تخبّئ كثيراً من الأسرار والأحاجي والحكايات، و تطلب منهم السير في طريق البحث عن ذلك الأمل الذي أعدته لهم، تصنع نسرين الوقت للأطفال و تزينه بالمحبة و الاجتماع بروح الدفء و المتعة، ومعهم تقلب القصص و تروي الحكايات، لكنه ذاك الأمل و هنا يصنع الأمل.
فهنا يُصنع الأمل، بأيدي الأطفال واليافعين واليافعات، فالأمل صناعتنا اليدوية المحلية، و علامتنا الانسانية المسجلة، يرسمون الورد والبيوت والأشجار، ويعلّقون الجمال على أسوار منازلهم وسناسل الحجارة، و بشغب اللون تتجسد اللوحات حالة من الحياة و الجمال، وبابتسامة وكثير من الود، تضحك لك عيون الأطفال، وهم يبتلعون كلمات الودّ خجلاً، كأنّ للفرح لغةً لا تحتاج إلى كثير من الكلام، لا يحكي الأطفال الكثير عن ذلك الأمل الذي رسموه بأيديهم، نسجوه بخيوط من حرير تطريزاً فلسطينياً جميلاً، لكنهم يصنعون الأمل في بريق عيونهم.
أسير بين العديد من الزوايا في أروقة المعرض الفني الذي تقيمه بلدية و مكتبة فقوعة بالتعاون مع مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، في حالة من التجانس مع روح الأرض و مواسم الحصاد، و القطاف، يتزين الأطفال بأثواب فلسطينية وتطريز يدوي جميل، فيبدو التراث هنا أكثر من ذاكرةٍ نحملها؛ حكايةً نرتديها، وتفصيلاً صغيراً يربطنا بالأجداد و الجدات، بل إن خيوطه هوية نعبر فيها عن ذاتنا، وما نحب، وما نريد أن نكون، نريد أن نبقى عليه.
أمشي في دروب المعرض، و أروقته، دروب فلسطين و تراثها، و تاريخها، في زوايا المعرض، مرايا تعكس الحكايات بأشكال مختلفة؛ و طريقة يعيد فيها الأطفال تشكيل الأمل ببصمتهم الخاصة يرسمون صبر فقوعة و سوسنها، و جبالها، وللتراث ذاكرته حية ينسجها الأطفال بخيوط من حرير، و جدائل من صوف، و على صواني القش يعيدون رسم البلاد، في صورة سيدة، و أرض، جبال ، و تلال، تتزين اللوحات على صواني القش يدوية الصنع، فيصير الأمل لحظة ثنائية الجمال و حكاية يكتبها جيلين، جيل سيدات صنعت صواني القش، و جيل من أطفال رسموا التراث و الحكايات على القش.
تتّسع الأرض لما نحمله من انتماء، بينما يروي التطريز حكاياته بالخيط والإبرة، وتستعيد رسومات الفحم، بالأبيض والأسود، جمال الأشياء في ظلالها وتفاصيلها، ومن ارتدادات العتمة يصنع الأطفال الأمل في لوحات يثورون فيها على ظلمة و عتمة اللون الأسود، فيصير الظل بوابة أخرى النور.
في المعرض هناك، و أنت تمشي بشكل دائري أنيق في الوسط، يحتشد الجمال بخجل مدروس، ورد من ورق، و جمال من لوحات فنية تتشكل بكثير من الاتقان، يصير العدس لوحة للجمال، ويصبح الذرة شمساً، و الحجر ورداً، والورد فراشات، و القمح أعلام ، لا يحتاج الجمال حديقة كي ينمو؛ يكفيه قليل من الورق، وأيدٍ تعرف كيف تمنح الأشياء شكلاً آخر، تتحوّل الطيّات إلى أشكال، وتخرج من الورقة البسيطة احتمالات أخرى للحياة و الأمل.
يصنعون الأمل و ثانية يكتبونه بحروف من جمال تجسد روح اللغة العربية، حضارتها و تاريخها، تكبر اللغة في حناجرنا، وعلى أوراقنا و في الذاكرة تبقى الروح و الأمل.
هنا صنع الأمل لحظة يعيد فيها الأطفال تشكيل اللغة، و كأنهم يقولون، ليس الأمل أسما، الأمل فعل من جمال، و امتنان و ثبات.
معرض هنا صنع الأمل مساحةً للأطفال ليرسموا، ويجرّبوا، ويبتكروا، ويعبّروا عن أنفسهم بطريقتهم الخاصة.
هنا لا يُخبّأ الأمل في صندوق، ولا نحتاج إلى خريطة كنز كي نعثر عليه؛ إنّه أمامنا، في وردةٍ ورقية، وفي بيتٍ ترسمه يدٌ صغيرة، وفي غرزة تطريز، وفي عينين تضحكان، وفي طفلٍ يكتشف أنّ ما صنعته يداه يستحقّ أن يُرى.




















تعليقات
إرسال تعليق